الجمعة، 20 نوفمبر، 2009

مسرحية ياسين وبهية

مسرحية ياسين وبهية


- احداث المسرحية :

تدور مسرحية "ياسين وبهية" حول قصة بسيطة، تسعي الي الاجابة على السؤال المطروح في الموال الشعبي عمّن قتل ياسين، ولقد حدد نجيب سرور قاتل ياسين الذي يسأل عنه الموّال الشعبي في لهفة، بعد ان صدمت حبيبته "بهية"، وقد اكد نجيب سرور في مسرحيته بأن (الباشا) الإقطاعي، المسيطر على الناحية هو الذي قتل ياسين لأنه حرّك أهل القرية وقادهم لإحراق قصر الباشا انتقاماً لخطيبته وحبيبته "بهية"، التي كان العاملين في القصر يسعون لإدخالها الي الباشا حيث ينتظرها كثيرا من الشر من هتك العرض والشرف، وكانت هذه المحاولة هي الشرارة التي أشعلت نار الثورة الموجودة في قلوب أهل القرية ضد مظالم الإقطاع وقسوته وجبروته".

- الشخصيات :

أ- ياسين :

يقدم لنا الراوي وصفا للشخصية ويحدثنا عن سماته ثم لا يلبث ان يفرد لنا لوحة كاملة يقص علينا فيها عن ياسين وحياته وحبه والنصف فدان الذي كان يوما لابيه وحلمه بالفرج ومنذ بداية المسرحية يُحدِّد نجيب سرور سمات البطل "ياسين" الجسمية والنفسية، ويحدد انتماءه لهذه الأرض، (الذي سيصير رمزاً لكل عشاقها):


كان ياسينُ أجيراً من بهوت
جدعاً .. كانَ جدعْ
شارباً من "بزِّ" أمه
من عروقِ الأرضِ .. من أرضِ بهوتْ ..
كانَ مثلَ الخبزِ .. أسمرْ
فارعَ العودِ كنخلهْ
وعريضَ المنكبيْنْ
كالجملْ
ولهُ جبهةُ مهْرٍ لمْ يُروَّضْ
ولهُ شاربُ سبْعْ
يقفُ الصَّقْرُ عليْهْ!
غابةٌ تفرشُ صدرَهْ
تُشبهُ السَّنْطَ الذي يحرسُ غيْطاً
(1)


وهذه السمات الجسمية والنفسية هي نفس السمات الجسمية والنفسية التي كان يملكها أبوه، ولكن هذه الصفات لم تمنع الباشا عن الاب حين سلبه أرضه:

ليته يملك حتي نصف فدان يقال..

كان يوما لأبيه!

رحم الله أباه!

مات في السجن وياسين صغير...

مثلما فرخ حمام،

ثم ضاع النصف فدان كما ضاع أبوه!

كيف ضاعا.. ولماذا؟! .. مش مهم

فالتفاصيل كثيرة. (2)

إن "ياسين" يحب "بهية"، وينتظر اليوم الذي يتزوّجها فيه، ويُحقق آماله، وتسعد عينه،فهي:

منيةُ النفسِ بهيّهْ

حبةُ العين .. بهيّه
مهجةُ القلبِ بهيّه
(3)

وكان "ياسين" يراها كل شيء في "بهوت"، هذه القرية الصغيرة في شمال الدلتا التي لا تظهر على الخريطة، والتي يملك الباشا كل ما فيها ومن فيها، فكأنه القدر المسلّط على العباد والأرض والبيوت والأرزاق.

إن نجيب سرور في هذه المسرحية يُحاول أن يقدم ملحمة عن فلاح مصري ـ في عهد ما قبل ثورة 23 يوليو 1952م ـ هذا الفلاح الذي لا يعيش ليتنعّم، بل ليصنع ملحمة الحياة، إنه يقنع بالكفاف، ولكنه لا يجده، وتُغتال أحلامه نهاراً، ولا يستطيع أن يتزوّج ممّن يحب أو أنْ يُكوِّن أسرة، كما لا يستطيع أن ينعم بدفء العلاقة الحميمة مع من يُحب.(4)
ويعتني نجيب سرور برسم الملامح الجسدية لبطلته "بهية" التي ستتقاسم مع البطل (ياسين) بطولة هذا النص المسرحي.

ب‌- بهية :

ثم ينتقل الراوي ويقدم شخصية بهية :

لم يكنْ بين الصّبايا في بهوت
مثلها .. مثل بهيّهْ
فهْيَ كالتّينةِ في الغُصْنِ طريّهْ ..
ونديّهْ ..
وشهيّهْ
حارّةً كانت بهيّهْ
وحييّهْ
مثلما كوزُ حليبْ
في صباحٍ باردٍ منْ شهْرِ طوبَهْ!
يانعهْ ..
كانتْ .. كما النعناعُ يانعْ،
وكما البرسيمُ يانعْ،
وكما الريحانُ يانعْ
(5)

- فهي بارعة الجمال كفينوس، بل هي أفضل منها؛ فهي بنت بلد، وتعمل ـ كأي أنثى في ريف مصر ـ في الحقل وفي المنزل، حيث لا مكان في القرية لمتعطِّل:


فهي كالنحلةِ لا تفتأُ تقْفزْ
من شروقِ الشمسِ تقْفزْ
للمغيبْ!
والحقيقهْ ..
ما لنا نعشقُ "فينوسَ"، وما "فينوسُ" أحلى من "بهيَّهْ"
لا .. ولا أكثرَ منْها شاعريَّهْ!
فهْيَ بدْءاً....... أجنبيّهْ
ثمّ من غيْر ذراعيْنِ فما تفعلُ شيْئاً
بينما تفعلُ هذي كلَّ شيْءْ:
من رآها وهْي تطبخْ،
وهي تعجنْ،
وهْيَ تخْبِزْ،
وهْيَ تغسلْ،
منْ رآها وهْي تحلبْ
وهْيَ تشْدو مثلَ بلبلْ
مع سربٍ منْ صبايا كالبجعْ

وعلى الرأسِ "حوايه" ..
فوقها بلاّصُ ماءْ!

منْ رآها وهيَ تُعْنى بالدّواجنْ
وخصوصاً بالكتاكيتِ الصّغيرهْ ..
مثل نوّاراتِ قطنْ!
منْ رآها في الأصيلْ،
وهْيَ تُلْقي بالشَّعيرْ
للحمامْ
(6)


- وعندما يشتعل حريق في القرية، فإنها ـ كأي سيدة أو فتاة ـ تقوم بمهمة الإطفاء كما يقوم الرجال لإنقاذ القرية من الحريق الذي يُهدد أسطحها جميعاً بالفناء:


… هرع الناسُ جميعاً للغياثْ ..
ذاتَ ليْلهْ ..
هرعت حتى بهيّهْ
هي في صفٍّ .. وياسينُ بصفْ
في القبالهْ ..
والدِّلاءْ
ـ وعلى وقْعِ الغناءْ ـ
رائحهْ ..
غاديهْ ..
(7)


- "بهية" كما تقدمها المسرحية شخصية أكثر تماسكاً وثراءً وانتماءً من شخصية حبيبها وخطيبها وابن عمها "ياسين"؛ فحينما يطلب منها "ياسين" أن يُغادرا أرض بهوت لينعما ويتزوّجا! تُفاجأ بهية بما يقول، وتستغرب، ولا تكاد تُصدِّق نفسها. فهل يوجد في قرية "بهوت" من يكرهها ويُريد أن يُغادرها؟ فما بالها والذي يُحدثها بذلك هو "ياسين". إن رمز قرية "بهوت" يتسع هنا حتى يُصبح معنى للوطن، ورمزاً للانتماء:

لوْ نسافرْ يا بهيّهْ
لوْ نسافرْ
ـ فينْ نروحْ؟!
ـ لوْ نروحْ لبعيدْ بعيدْ
بعد عين الشمسِ واكْترْ عنْ بهوتْ!
ـ ليه كفى الله الشرّ .. ليهْ؟
إنت ما تحبِّشْ بهوتْ؟!
ـ مين يحب العقربهْ؟
ـ عقربه؟
ـ والعن كمانْ
ع الأقل العقربة بتشيل ولادْها ..
قولي: قطهْ ..
قطهْ وبتاكل ولادْها!
قولي: غولهْ بنت كلبْ
(8)
- إنها تُفاجأ بمثل هذا الكلام من "ياسين"، وترى أنه لا يحبها وإنما يحب نفسه فقط. وتتعجّب، فيسألها: هل تحبين "بهوت"؟ فتجيبه مستنكرة: ومن الذي لا يُحبها؟ وحينما تكون نفسه مليئة باليأس والكآبة تكون نفسها مليئة بالأمل والإشراق:


ـ خدنا منها إيهْ قولي لي ..
الشقا .. وضرْب الجريدْ؟!
فاضل ايه فيها هاناخدهْ ..
فاضل ايه غير الكَفَنْ؟
دا انْ لقينا حتى ساعة الموتْ كفنْ!
ـ بكره تتعدّلْ وتفرجْ ..
عن قريبْ .. هاتروقْ وتحلى ..
قلبي حاسسْ
عمره ما يكدبْ عليّهْ ..
عن قريبْ نفرحْ ببعضْ
وابْقى جنبكْ .. وانت جنبي ..
سقف واحدْ فوقنا دايْماً
(9)


- "بهية" تمثل الشخصية المنتمية إلى تراب الأرض، الآملة في الغد، التي تعيش حياتها ليس بعقلها فقط، وإنما بمشاعرها وأحاسيسها.،وحينما يُغتال "ياسين" نراها تحزن، ولكنها لا تفقد بصيرتها في رؤية تستشرف الأفق، وتعرف أن "ياسين" رحل، لكنْ قد يجيء ياسين آخر تُكمل معه المسيرة، ويُعوِّض القلب عن أحزانه:


هي تدري أنّنا حينَ نموتْ ..
لا نعودْ
لم يعدْ يوماً من الموتِ أحدْ ..
لبهوتْ ..
رغم هذا فالبذورْ ..
ليسَ تفْنى حينَ تُدفَنْ
ربما الإنسانُ أيضاً ليسَ يفْنى
حينَ يُدفَنْ
ولهذا قدْ يعودْ
هو ياسينُ لها .
(10)

* تعد "بهية" عنصراً فنياً من أهم العناصر الفنية التي يتشكّل منها نص نجيب سرور "ياسين وبهية".
* فهي تتقاسم العنوان مع حبيبها "ياسين وبهية"، فلم يضع المؤلف "ياسين" وحده عنواناً لنصه، وإنما أشرك "بهية" معه، والمشاركة هنا ضرورة فنية لم يجد المؤلف عنها مهرباً.
* و"بهية" تمثل "الآخر"، الذي لا يكتمل وجود البطل إلا به، ومن خلاله. فالآخر هنا لا يُلغي أو ينقص من البطل ، أو يقف على الأقل عقبة في طريقه ، وإنما الآخر الذي يُثري ويُكمل ، ويتحقق الوجود والاستمرار ـ الأسرة والأطفال ـ من خلاله.
* وهي عنصر ثري داخل النص، فحلمها الذي حلمته ـ في اللوحة الثالثة ـ واحست بالقلق منه بأن يحمل شرا، وحكته لأمها، هذا الحلم يشتمل عنصراً تشكيلياً لم نكن لنستطيع أن نرى المسرحية بدونه:


شُفتني قال راكبهْ مركبْ
ماشيه ياما ف بحر واسعْ ..
زيّ غيط غلّه .. ومُوجُهْ ..
هادي .. هادي ..
بحر مش شايفاله بر ..
قال وايه .. عمّاله اقدّفْ ..
والمراكبي ..
ابن عمِّي ..
ماسك الدّفّه ومتعصِّبْ بشالْ
شالُه أحمر يا امّه خالصْ ..
لونه من لون الطماطمْ ..
جتْ حمامهْ بيضا .. بيضا ..
زي كبشة قطن .. فوق راسه وحطّتْ ..
ويادوب البرّ .. لاحْ
إلاّ والريح جايّه .. قولي ..
زي غول مسعورْ بينفخْ
تقلبْ المركبْ والاقي ..
نفسي بين الموج باسرّخْ ..
يا ابن عمّي ..
قال وهوّه ..
ماشي فوق الموجْ بيضْحكْ!
راحْ بعيدْ خالصْ .. وفوق راسه الحمامهْ
برضو واقفه ..
قمت م النوم .. خايفه لاغرقْ
(11)


- حيث تتحقق مفردات هذا الحلم في النص، ويقوم المؤلف بالاشارة في كل مكان تتحقق فيه جزئية من هذا الحلم إلى الحلم، ويسترجعه ثانية ممتزجاً بالواقع الجديد، مع عناصر أخرى يكون الراوي قد أشار إليها في أثناء حكايته.

* وتتضح العلاقة بين ياسين وبهية فهي خطيبته وتربطهم علاقة حب منذ زمن فهي ابنة عمه و كان "ياسين" يرى في "بهية" كل الأشياء الجميلة التي يحبها في القرية، ويتمنّى أن يستحوذ عليها وكان يراها أجمل البنات، ولا يري مثلها فتاة و كما يقول الراوي:


كان ياسين يُحب!
لم يكن يعبأ بالحورِ .. أعِيناً كنَّ
في شرخِ الصِّبا أم غيرِ عِينْ!
كان لا يعدلُ في الدُّنيا وفي الأخرى صبيّهْ
بابنة العمِّ بهيّهْ!
هو حر ..
ولهُ في الحقِّ عذْرْ!
ـ لا تقولوا الحبُّ أعمى
فلها عينا غزالْ،
ولها جيدُ غزالْ
ولها عودٌ كما البانِ ووجْهٌ كالقمرْ
ليلةَ الرابعْ ..
عشرْ،كان ياسينُ يحب!
(12)

حيث ينتظر "ياسين" تحقيق حلمه في الزواج من ابنة عمه التي خطبها أبوه له وهما مازلو صغارا .

ج- الباشا :

شخصية لا تظهر ولكن تدور حولها احاديث الفلاحين ويفكر ياسين فيما فعله الباشا مع ابيه وانتزاعه الارض منه فهو وجود محسوس في افكار الفلاحين ومن خلال الغفراء الذين لا يظهرون الا ليمارسو القهر بأمر من الباشا، حيث يجردون الفلاحين من الغلة او يأخذون فتاة ريفية الي القصر قهرا لتخدم فيه ويحدث لها ما جري لغيرها من هتك عرض وغير ذلك، او يقومون بقهر او بقتل اجيرا كما فعلو مع والد ياسين وبعده ياسين.

وهذا الواقع يفرض احلاما ويبعث بها مثل حلمه بأنه يركب الحمار ويسوقه بالعصا وهذا الحمار هو الباشا ويطلب الرحمة من ياسين .

وحلمه بأرض بها مساواة ولا يوجد جوعان ولا عبيد :

حيث لا يوجد سادة..

وعبيد..

حيث لا يوجد ضرب بالجريد.........

حيث لا يوجد جوع،

حيث لا يوجد عري،

حيث لا يوجد من يزرع يزرع..

ثم لا يحصد شيئا..

بينما الاخر يحصد..

ثم يحصد..

وهو لا يزرع شيئاً!

ثم ضرب بالجريد! (13)

وهذا الحلم هو مجرد حلم يقظة.

د- الراوي :

يقوم الراوي في هذه المسرحية بتقديم الشخصيات ووصفها ولا يقتصر دور الراوي علي ذلك فقط بل يتجاوزه ليقدم لوحات وصفية للبيئة والخلفية الاجتماعية إنه يصف القرية وبيوتها و أفرانها بحقولها ونخيلها وترعها وقصر الباشا المضئ دائما ويقدم كذلك لوحات شعبية لمجالس سمر الفلاحين .

ويقوم الراوي كذلك بالتغلغل في أعماق الشخصيات ليحلل ويفسر ويعلق(14)

- الصراع :

يتضح الصراع في احداث تلك المسرحية في تتاول صراع الإنسان مع واقعه، ورغبته في أن يعيش عالماُ إنسانيا جديراً بالحياة دون تسلط او قهر المتمثل في (الباشا) المتحكم ذو الجبروت و(اهل القرية) المقهورين فهو يملك القرية وما عليها من ارض واناس فهو قدرهم ولكنه ليس كالقدر في المسرحية الاغريقية الذي لا يمكن التخلص منه انما هو قدر اجتماعي وبهذا يكون قابلا للخضوع والاخضاع لكن في غياب النضج والمعرفة العقلية يظل هذا القدر متحكما في مصائر البشر وعلي اقواتهم.

وهذا ما دفع الفلاحين الي التساؤل في اثناء جلستهم علي القهوة:

"لما كان ادم وحوا

م السما نازلين يدوبك بالعيال

قول وبعيال العيال

يا تري كان فيه ساعتها بيه وباشا؟"

................

" قول ساعتها الارض كانت ملك مين

والمواشي ملك مين

يا تري كان مين بيزرع

مين بيجمع

مين بيقلع

مين بيصحي من أدان الفجر يشقي

للي نعسان للضحي؟! (15)

- ان ما يدور في أذهان البسطاء هنا تساؤل حول توزيع الملكية والطبقات والعمل وهو تصور غاية في البساطة والوضوح حيث يردون المشكلة الي اصولها الاولي التي كثيرا ما يتأملونها وهنا تكمن واقعيتهم في التعبير.

- في هذا الواقع يظهر التفاوت هائلا بين بيوت الفلاحين المظلمة وقصر الباشا المضئ انه الشئ الوحيد المضئ في القرية وواقعها المظلم.

- الصراع بين ياسين والباشا لعدة اسباب من اهمها قتله لوالده وانتزاع ارضه منه غصباً وثانيهما هو قيام الباشا بأرسال احد الخدم إلى "أبي بهية" طالباً منه أن يُرسل "بهية" لتخدم في قصره مع غيرها من بنات الفلاحين:

لم لا تخدمُ في القصْرِ بهيّهْ ..
وهْي منْ أحلى البناتْ ..
في بهوتْ؟!
ليست الأولى، وليست بالأخيرهْ
فهناك الخادماتْ ..
بالمئاتْ ..
يتمرّغْن كما البطّات .. في بركةِ عز ..
وهناك النّغْنَغَهْ ..
في صنوفِ الطّيِّباتْ
(16)


وكان من الطبيعي أن يرفض ياسين هذا الطلب، فهو يعني تلويث الشرف، لأن كل القرية تعرف أن من تذهب إلى القرية يُسلب شرفها، وتعود إلى أهلها حيث ينتظرها الموت:


تذهبُ البنتُ إلى القصر خفيفهْ ..
ولطيفهْ ..
كالفراشهْ ..
بعد عامٍ ترجعُ البنتُ ثقيلهْ ..
مثل قربهْ ..
وذليلهْ ..
مثل كلبهْ ..
لم تعدْ بنتاً ففي البطنِ جنينٌ "ابنُ كلْبْ" ..
وهْي أيضاً "بنتُ كلبْ" ..
ولهذا يتحتّمْ
أن تموتْ
ثمَّ تُدفنْ
هكذا العارُ يوارى في بهوت
(17)


ويرفض ياسين أن تذهب خطيبته لتخدم في بيت (الباشا)، فهو يرفض أن تحمل سِفاحاً، وهو لا يريد أن يقتلها بيديه، ولهذا صاح في وجه الخادم الذي ارسله الباشا رافضاً.
وكان معنى رفضه أن يُعلَّق، ويُضرَب بجريد النخل حتى يصيح الديك كما يقول الراوي

ويذهب "ياسين" إلى قصر الباشا الذي انتزع أباه وأرضه، ويوشك أن ينتزع منه البقية الباقية وهي بهية:

يا أبي .. يا نصفَ فدَّانٍ يتيمْ ..
يا سيولاً منْ عَرَقْ ..
يا حصاداً للهشيمْ ..
كل عامْ ..
أيها الغولُ اللعين!
أنت لن تأخذَ منِّي ما تبقّى
قبلَ أنْ تأخذَ روحي
"فاضل ايهْ في الدنيا ليّهْ
فاضلْ ايهْ غيرْها بهيّهْ؟"
مستحيلْ!!
مستحيلْ!!
(18)


ويتوجه "ياسين" الي القصر، وتشتعل القرية في ثورة عنيفة حينما يغتصب الباشا أرض أحد الفلاحين، ويرى ياسين أن الباشا مهمته الاغتصاب "اغتصاب الأرض، أو اغتصاب بهية" وغيرها من الفتيات ، ويثور "ياسين"، ويقود ثورة الفلاحين ضد "الباشا"، وتتوحّد مأساة الفرد "ياسين" في مأساة الجماعة "الفلاحين"، وتشتعل الأرض بالغضب، حيثُ الدفاع عن الأرض والعرض.

ولكن "ياسين" يسقط قتيلا في النهاية دون تحقيق أمله في القضاء على الباشا الإقطاعي.

- الرمز في المسرحية :

تعتمد هذه المسرحية على موّال شعبي مطلعه:
يا بهية وخبّريني ع اللي جتل ياسين


" وقد حاول نجيب سرور أن يوظف هذا الموّال توظيفاً فنيا بأحتوائه علي أحداثاً معاصرة عاشها في صباه في قرية (أخطاب) إحدى قلاع الإقطاع في مصر، في عهد ما قبل ثورة يوليو 1952م، ولكنه لم يجعل قريته "أخطاب" مسرحاً لهذه الأحداث، بل جعل قرية "بهوت" المجاورة لقريته، وهو في مزجه بين موال شعبي وأحداث حية معاصرة تدفعه رغبةٌ منه في أن يُضيف إلى الإبداع الإنساني ملحمة خالدة، تتناول صراع الإنسان مع واقعه، ورغبته لأن يعيش عالماُ إنسانيا جديراً بالحياة، يقول في مطلع مسرحيته"(19)

أقصُّ عنْ بهوتْ
أقصُّ عن ياسينَ عن بهيّهْ
حكايةً لمْ يرْوِها أحدْ
حكايةً أودُّ لو تعبشُ للأبدْ
يا ليْتني هوميرْ
أوْ ليْتني فرْجيلْ،
أوْ ليتَ لي قيثارُ دانْتي ..
أوْ يراعُ شكسبيرْ
أوْ فارسُ الفرسانِ بايرونْ
لكيْ أقُصَّ عنْ بهوتْ
لكيْ أقصَّ عن ياسينَ .. عنْ بهيّهْ
(20)


واختياره وترتيبه لما يريد أن يقص عنه "عنْ بهوتْ .. عن ياسينَ .. عن بهيّهْ"، يرينا أن نجيب سرور كان يريد أن يكتب ملحمة عن الأرض والإنسان، عن "بهوت" أولاً، وليس عن شخص (ياسين أو بهية). لكن كيف يستطيع أن يفعل ذلك، ولا بد أن تُقدم الملحمة من خلال رموز بشرية؟

ذلك كان هو الإشكال الأول الذي تحدّاه، وقد حاول نجيب سرور أن يجد له إجابة في اختياره شخصيتي (ياسين وبهية) لتقوما بهذا الدور داخل البناء المسرحي.


*واختياره زمان ما قبل ثورة 23 يوليو مبرر، لأنه الزمان الذي شهد سطوة الإقطاع وتجبره، وهو نفس الزمان الذي شهد تشكيل الشاعر (جسميا وتعليميا ومعاناة ومواقف).
*واختياره "بهوت" مكاناً لأحداث مسرحيته، لأنها تُشبه قريته "أخطاب" في كونها قلعة من قلاع الإقطاع، ولاستطاعته تناولها بحرية، بعكس قريته التي لن يستطيع تناول شخصياتها بحرية، نظراً لعلاقات القرابة والنسب، والتراتب الطبقي الاجتماعي.

ولكن لماذا "ياسين وبهية" بالذات؟ رغم أن شخصيتي "ياسين وبهية" اللذين يتحدّث عنهما الموّال المعروف ينتميان إلى الصعيد وليس الوجه البحري الذي تدور فيه أحداث المسرحية؟


سيُفاجئنا قول "ياسين" في اللوحة الرابعة إنه يتمنّى لو يُسافر بعيداً .. بعيداً، ويترك قريته "بهوت" التي يُشبّهها بالعقربة، وبالقطة التي تأكل أولادها، لكننا إذا تمعّنّا في أسباب ما يقول سنعرف أنه قال ذلك تحت وطأة الطبقية اللعينة التي تعيشها قريته، والتي قسمت الناس إلى أسياد وعبيد.والذي جعل البطل يتحمّل جهامة الواقع وقسوته في قريته هذه القسوة التي قضت على والده، والتي ضنّت على "الأب" أن يترك لولده "ياسين" "نصف فدّان يتيم هو الوعي الذي يجعله يصبر على واقعه الشرس، الذي لا ينال منه "ياسين" ما يتمنّاه، بله بعضه: (21)


وهو ياسين ـ صبورٌ كالجملْ
وحمولٌ كالجملْ،
وفقيرٌ كالجملْ
ينقلُ التِّبرَ تلالاُ
ثمّ لا يظفرُ إلاّ بالحطبْ
(22)


وهذه الأبيات السابقة تلخيص لحياة الشعب المصري ومعاناته، جيلاً وراء جيل، هذا الشعب الذي تُجابهه قسوة الأيام وشراسة الواقع، فيتمنّى لو يهجر أرضه، ولكنه دائماً يلتصق بهذه الأرض، ولا يُغادرها إلا مضطرا، رغم أنه لا يأخذ من خيرها شيئاً، بل لا ينال إلا القليل. لكنه حينما يُحرم من هذا القليل، فإنه يثور ويتوحّش، ويفتك بظالميه:
وهنا يبين الرمز ويكشف عن نفسه، ويبوح بأسراره، يتوحّد الفرد بالمجموع، وتصبح مأساة الفرد (ياسين) تعبيراً عن مأساة الجماعة:


الجوعُ صانعُ الوحوشْ!
والناسُ في بهوتْ
كانوا رقاقاً مثلما أوراقِ توتْ
وليِّنينَ كالرُّطبْ
وهادئين كالحمامْ
وطيبين مثل أرضِ مصْرْ
ورائقينَ مثلَ ماءِ النيلْ
وناعمينَ كالنسيمِ في أبريلْ!
لكنّهمْ جاعوا، ومنْ عامٍ لعامْ
صاروا جميعاً كالوحوشْ
فالوحشُ ليس وحشاً قبلَ أنْ يجوعْ
(23)


- وتعد بهية / الأنثى رمزاً لأرض مصر المعطاءة، وللعدل المفتقد، وللخصوبة التي يحلم بها الشاعر، وللاستمرار والتدفق. ولعل هذا يُفسِّر تدخّل الشاعر بصوته هو ـ لا صوت الراوي ـ كحيلة فنية للتأثير على القارئ، أو توجيه نظره إلى استخلاص الرمز من براثن الشخصية المتجسدة.

فيقول مرة:

صدِّقوني أنا أهواها .. بهيّهْ
مثلما ياسينُ يهْواها وأكْثَرْ ..
ويقول مرة أخرى:
قلتُ قبلاً إنّني أهْوى بهيَّهْ
مثلما ياسينُ يهْواها وأكْثَرْ ..
ولهذا أنا أهوى كلَّ شيءْ
فيه شيْءٌ منْ بهيّهْ
ما الغرابهْ؟!
(24)


- وفي مقابل رمز الأرض، يكون رمز المجتمع (ياسين)، والتقاؤهما يصنع الحضارة والخير، الا ان الذي يعوق ذلك هو "الباشا" المفتقد للعدل، والنظرة الإنسانية الرحبة، وهنا يكون الصراع شرساً، لأن الأرض تبحث عن رجلها الذي يفلحها، ولن تكون أرضاً إلا به!


يبدأ نجيب سرور مقدمة مسرحيته بنصّ يختصّ بالشكل، ونوعية الكتابة، هو نص شعري فصيح لابن رشيق، ويقول:

لعنَ اللهُ صنعةَ الشعْـرِ مَـاذا
منْ صنـوفِ الجُهّالِ منهُ لقينا
يؤثرونَ الغريـبَ منْهُ على ما
كـانَ سهْلاً للسامعـينَ مُبينا
ويروْن المحالَ معنىً صحيـحاً
وخَـسيسَ الكلامِ شيْئاً ثمينا
يجهلونَ الصّوابَ منه ولا يدْ
رونَ للجَــهلِ أنهمْ يجْهَلونا
فهمُ عندَ سوانا يُلامـــونَ

وفي الحقِّ عندنا يُعذرونا (25)

الا ان الاداة اللغوية الي يستخدمها الشاعر هي العامية المصرية فالراوي يستخدم الفصحى، القريبة من العامية، المبينة.

والحوار يكون بالعامية المصرية، القريبة من القلب، والمؤثرة فيه. ولا لوم ولا تثريب على الشاعر فيما اختاره أداة له. ولكننا نري إن العامية مبررة في نص نجيب سرور المسرحي لأنها مستخدمة بين فلاحين، محصولهم الثقافي والفكري ضعيف.



الهوامش :


1- نجيب سرور: مسرحية يس وبهية، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993، ص65.

2- المرجع السابق: ص69.

3- نفس الموضع.

4- نجيب سرور: الاعمال الكاملة الجزء الاول، تقديم أمين العيوطي، الهيئة المصرية العامة للكتاب،1993، ص19-21.

5- يس وبهية: ص83 ،84.

6- المرجع السابق: ص96،95.

7- المرجع السابق : ص147.

8- المرجع السابق : ص117،116.

9- المرجع السابق: ص119.

10- المرجع السابق : ص199.

11- المرجع السابق : ص86،85.

12- المرجع السابق : ص68.

13- المرجع السابق : ص116،115.

14- http://hamohd99.maktoobblog.com/

15- يس وبهية : ص75.

16- المرجع السابق : ص158،157.

17- المرجع السابق : ص158.

18- المرجع السابق: ص166.

19- http://hamohd99.maktoobblog.com/

20- يس وبهية : ص 63.

21- http://hamohd99.maktoobblog.com/

22- المرجع السابق : ص70

23- المرجع السابق : ص176.

24- المرجع السابق : ص89.

25- المرجع السابق : ص61.

هناك تعليق واحد: